تطرح يارا هواري في هذا المقال قراءة نقدية حادة لما تصفه بإعادة إنتاج الاستعمار بأدوات جديدة في غزة، حيث تقرر القوى الدولية مستقبل الفلسطينيين مرة أخرى من دون مشاركتهم، بينما تتواصل سياسات الإقصاء ونزع الأرض تحت غطاء “التهدئة” و“إعادة الإعمار”.
يذكر موقع نيو إنترناشيوناليست أن وقف إطلاق النار في 9 أكتوبر منح سكان غزة هدنة قصيرة بعد عامين من القصف الإسرائيلي المتواصل وسياسات التجويع المتعمدة، لكن الشكوك ما زالت تحيط بمدى صموده، خاصة مع تسجيل مئات الخروقات التي أوقعت مئات القتلى، ومع فرض “الخط الأصفر” الذي يقتطع أكثر من نصف مساحة القطاع ويشمل معظم الأراضي الزراعية والصناعية، ما ينذر بتكريسه كحدود دائمة.
غزة بعد الإبادة: أرض مدمَّرة ومستقبل مُعلَّق
تشير الكاتبة إلى أن حجم الدمار في غزة غير مسبوق، إذ تجاوز عدد القتلى الرسمي 69 ألفًا، بينما ترجح تقديرات طبية أن يتجاوز العدد الفعلي 300 ألف إذا أُخذت الوفيات غير المباشرة في الحسبان. انهار النظام الصحي بالكامل، ودُمّرت البنية التحتية الأساسية من مياه وكهرباء وصرف صحي، وانتشرت أمراض يمكن الوقاية منها بسهولة في الظروف الطبيعية.
يعيش معظم سكان القطاع اليوم بين أنقاض منازلهم أو في ملاجئ بدائية، فوق ركام يُقدَّر وزنه بنحو 50 مليون طن، وقد يستغرق رفعه ومعالجته عقودًا. تصف فرق الإغاثة الدولية غزة بأنها موقع هدم كابوسي، منطقة صغيرة تعرّضت لقوة تدميرية تعادل أضعاف القنبلة النووية التي أُلقيت على هيروشيما، بينما يهدد الشتاء القادم بمفاقمة المعاناة مع نقص المأوى والمساعدات.
خطط السيطرة: سلام بلا سيادة
ترى هواري أن وقف إطلاق النار الحالي يندرج ضمن المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذات النقاط العشرين، وهي خطة تتجاهل القانون الدولي وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. تعلن الخطة تحويل غزة إلى “منطقة منزوعة التطرف”، وتقترح نزع سلاح الفصائل الفلسطينية مقابل عفو، وتفرض إطار حوكمة جديدًا تقوده هيئة إشراف دولية يترأسها ترامب نفسه.
تُقصي الخطة الفلسطينيين من أي دور سياسي حقيقي، وتحصر مشاركتهم في أدوار تقنية “غير مسيّسة”، بينما تستبعد كل الفصائل، وتدعو إلى إنشاء قوة استقرار دولية تشرف على الأمن والحدود. تؤكد الكاتبة أن هذه الصيغة تعيد إنتاج منطق الاستعمار القديم: إدارة السكان، لا تمكينهم، والتحكم بالأرض تحت مسميات جديدة.
يعزز مجلس الأمن هذا المسار حين يقرّ قرارًا يمنح الهيئة الإشرافية صلاحيات واسعة على المساعدات وإعادة الإعمار والحكم “المؤقت”، ما يكرس سيطرة أميركية مباشرة على غزة، رغم دور واشنطن في دعم الحرب. تبرز هنا مفارقة قاسية: المجتمع الدولي يمنح من شارك في الكارثة مفاتيح إدارتها.
إعادة الإعمار كاستثمار سياسي
توضح الكاتبة أن إعادة إعمار غزة تحولت إلى مشروع اقتصادي ضخم، تُقدَّر كلفته بأكثر من 70 مليار دولار، ما يجعله ساحة تنافس ونفوذ. تستخدم الدول المانحة الأموال أداة ضغط سياسي، وتربط التمويل بشروط تتعلق بمن يحكم غزة وكيف تُدار.
تسعى الولايات المتحدة، عبر رئاسة “مجلس السلام”، إلى التحكم الكامل بمسار الإعمار، بينما تتحرك قوى إقليمية مثل مصر ودول الخليج وفق حسابات أمنية واقتصادية. تشير هواري إلى أن ربط الإعمار بنشر قوة استقرار دولية، وبإقصاء قوى فلسطينية بعينها، يحوّل العملية إلى امتداد للتطهير والتهجير، ولكن بوتيرة أبطأ وأقل ضجيجًا إعلاميًا.
تنتقد الكاتبة تجاهل العدالة والمساءلة في كل هذه الخطط، مؤكدة أن غزة اليوم مسرح جريمة مفتوح، وأن أي إعادة إعمار تتجاوز الاعتراف بالإبادة والتحقيق فيها لا تعني تعافيًا، بل تعني طمس الجريمة وتحويل موقع القتل الجماعي إلى فرصة ربح واستمرار للهيمنة.
بديل فلسطيني مُهمَل
في مقابل هذه الرؤى المفروضة، تبرز “خطة فينكس” التي صاغها خبراء فلسطينيون من غزة والضفة والشتات، وتقترح إعادة إعمار تقودها البلديات المحلية وتعترف بواقع الإبادة وتحتكم إلى معرفة أهل الأرض. تجاهلت القوى الدولية هذه الخطة، ورفضتها السلطة الفلسطينية لأنها لا تمنحها دورًا مركزيًا، رغم افتقارها للشرعية الشعبية.
تختم هواري بالتأكيد أن الفلسطينيين، رغم كل شيء، يواصلون صناعة الحياة في قلب الدمار: يزرعون الحدائق، يقيمون حفلات تخرج في الخيام، ويتزوجون بين الأنقاض. لا تمثل هذه الأفعال رومانسية عاطفية، بل إعلانًا عن رفض الإبادة والاستعمار، وتمسكًا بمستقبل يصنعه الفلسطينيون بأنفسهم، لا يُفرض عليهم من الخارج.
https://newint.org/colonialism/2026/neocolonialism-gaza

